07-12-2017 م


جريدة عمان

ناقش ملتقى استشراف المستقبل الذي انطلقت أعماله أمس العديد من الموضوعات المتعلقة بكيفية بناء اقتصاد يعتمد على التكنولوجيا الجديدة، والصناعات الإبداعية، والأنظمة التعليمية الجيدة. كما تطرق إلى مستقبل العلاقات الدولية واستشراف التحولات الاقتصادية والسياسية، ومحاولة فهم أثر التقنيات الحديثة على الاقتصاد الأمر الذي يجعل السلطنة أكثر قدرة على تحقيق الجاهزية، واستثمار الفرص المستقبلية.

كما سلط الملتقى الضوء على الاتجاهات المستقبلية الدولية والإقليمية والوطنية في موضوعات مختلفة كالطاقة النفطية والمتجددة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والحوكمة، ومستقبل الحكومات والقطاع الخاص، والتغيرات الديموغرافية والمدن. إضافة إلى إعداد وتطوير السيناريوهات المستقبلية وتضمينها خلال مراحل إعداد رؤية عُمان 2040.

وقد رعى حفل افتتاح الملتقى صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد، وزير التراث والثقافة رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية عُمان 2040 الذي أوضح أن الملتقى يعتبر فرصة للالتقاء بالشركاء في مسؤولية صنع مستقبل السلطنة، واستشرافه بعد أن صدرت الأوامر السامية في ديسمبر من عام 2013 بإعداد الرؤية المستقبلية عُمان 2040 وبلورتها وصياغتها بإتقان تام ودقة عالية في ضوء توافق مجتمعي واسع وبمشاركة كافة فئات المجتمع المختلفة بحيث تكون مستوعبة للواقع الاقتصادي والاجتماعي ومستشرفه للمستقبل بموضوعية ليتم الاعتداد بها كدليل ومرجع أساسي لأعمال التخطيط في العقدين القادمين.

وأضاف سموه في كلمته أنه تنفيذا لهذه التوجيهات السامية فقد انطلقت المرحلة التحضيرية لإعداد الرؤية المستقبلية فشكلت فرق العمل واللجان الفنية حيث قامت هذه الفرق بدراسة وتحليل الاستراتيجيات القطاعية طويلة المدى، ومواءمة أهدافها مع أهداف الرؤية، وتحديد الأولويات الوطنية، ثم وضعت محاور وركائز الرؤية، وباشرت بتشخيص الوضع الراهن وتحديد القضايا الرئيسية الأولية. كما قامت اللجان المختصة بإعداد استراتيجية الاتصال والمشاركة المجتمعية التي تنطلق أنشطتها عبر هذا الملتقى لتكون منهجا فاعلاً في إعداد رؤية تخص الجميع مواطنين ومقيمين، تلامس احتياجاتهم وتلبي تطلعاتهم في كل موقع وعلى امتداد محافظات السلطنة.

وأكد سموه أن محاور وركائز الرؤية جاءت لتحاكي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تحقيق التنويع الاقتصادي وتمكين القطاع الخاص بالتزامن مع تطوير البنية الأساسية الحديثة وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات مع التركيز على استدامة البيئة وتعزيز الرفاه الاجتماعي وبناء وتطوير الكفاءات والقدرات الوطنية مع الحفاظ على الهوية الوطنية والتراث العُماني مدعومة جميعها بتعزيز فعالية الحوكمة والأداء المؤسسي وسيادة القانون.

وأشار سموه إلى أن “الفهم الواعي والاستقراء العقلاني للواقع والمستقبل سيجعلنا متوافقين في توجهاتنا، متوائمين في التزاماتنا نحو بناء عمان التي ننشد بحلول عام 2040م”، موضحا أن استشراف المستقبل أو صناعة الغد أصبحت من أساسيات ازدهار المجتمعات وتقدمها، وأحد سبل المعرفة والعمل الجاد والتعاون الهادف لبناء مستقبل مشرق إذا أحسنا صناعته بإيجابية دون التخلي أو الحياد عن هويتنا الوطنية وموروثنا الأصيل الذي يعد أحد أسرار تفردنا وقوتنا في زمن التطورات الكبرى المتلاحقة.

وشارك في المؤتمر أكثر من 300 مشارك من القطاعين العام والخاص، فضلا عن متحدثين دوليين لمناقشة التوجهات المستقبلية العالمية والإقليمية والمحلية في مجموعة من الموضوعات وهي “الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية وقوى التحول الاقتصادي”، و“تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيات المزعزعة”، و”تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورأس المال البشري”، ومستقبل تحولات الطاقة النفطية والطاقة المتجددة”، و“تحول النفط: تحول الطاقة والبتروكيماويات” ، و“ندرة الموارد والبيئة”، و”التغيرات الديموغرافية والاجتماعية” ، و“مستقبل المدن”، و”الحوكمة : مستقبل الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني”.

ويعد ملتقى استشراف المستقبل جزءا من مشروع إعداد الرؤية المستقبلية عُمان 2040، ومكملا لمراحل شملت تشخيص الوضع الراهن في السلطنة وتحديد القضايا الرئيسية لواقع التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي ستتناولها الرؤية وعقد المقارنات المرجعية وتحديد أفضل الفرص التي يمكن تبنيها وتنفيذها.

ويهدف الملتقى إلى نشر الوعي العام بأهمية صناعة المستقبل وإيجاد حلول إبداعية للتحديات التي قد تواجهها السلطنة لضمان الازدهار والنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي بحلول عام 2040، وبما يعزز موقع السلطنة على الخريطة العالمية.

وتحدث فخامة توماس هيندريك الفيز الرئيس السابق لجمهورية إستونيا في كلمة له عن أهمية استراتيجيات وسيناريوهات التحولات المستقبلية من منظور دولي وقال ‏”‏نحن بحاجة إلى توقيع رقمـي مرتبط بالهوية الإلكترونية لننتج مجتمعا يتفاعل مع حكومته بطريقة أفضل ، ويعود ذلك بالفائدة على المجتمع”.

وأضاف ‏فخامة الرئيس الإستوني السابق أن ‏رقمنه الحكومة والشركات ستساعد في تسيير أمور المعيشة في البلد، حيث ستحفظ الوقت والجهد اللازمين لإتمام المعاملات.

وتعد تجربة إستونيا في مجال التطوير الرقمي والإداري، وإعادة تغيير هويتها كبلد مبتكر، هي مثال جيد يمكن أن يستنتج منه نسبيا كيف تمكّن القادة من استخدام استراتيجية وطنية فعالة ورؤية مستقبلية لإجراء تحولات جذرية في بلدانهم والاستعداد للمستقبل. وذلك بغرض تحديد أعلى مستوى من الطموح لهذا الحدث وتعزيز الثقة والمصداقية بعملية إعداد وصياغة رؤية عُمان 2040 والتأكيد بصورة عملية على أهمية تبني النظم السياسية للتطوير والمستقبل.

وتطرقت الجلسة الأولى من الملتقى الى استشراف التحولات الاقتصادية والسياسية ومستقبل العلاقات الدولية، وفهم أثر التقنيات الحديثة على الاقتصاد مما يجعل السلطنة أكثر قدرة على تحقيق الجاهزية واستثمار الفرص المستقبلية.

وهدفت هذه الجلسة إلى وضع سياق عالمي وإقليمي أوسع نطاقا للسلطنة حتى عام 2040، بحيث يتم من خلاله دراسة العناصر الديناميكية، والجغرافية السياسية، ومستقبل الأنظمة المتعددة والقوى المحركة الدولية والمخاوف الأمنية، والقضايا ذات الأهمية الخاصة للسلطنة.

كما تمت مناقشة التغيرات البحرية الدولية والتدفقات اللوجستية، وصعود الصين والهند، والتهديدات الجديدة بما في ذلك الاتصالات الإلكترونية، وكيف يمكن للمبادرة الصينية “حزام واحد.. طريق واحد“ أن تساعد على إحداث تحولات بالمنطقة؟ وكيف ستؤدي ديناميكيات المنطقة إلى إحداث تحول على الصعيد العالمي وفي السلطنة تحديداً؟.

واستعرضت الجلسة الأولى أيضا إلى فرص وتحديات الثورة الصناعية الرابعة، إضافة إلى فهم تأثير العملات الافتراضية (عملة رقمية مشفرة تستخدم لغرض أمني لحماية التعاملات الافتراضية) أو سلسلة الكتل (سلسلة مقفلة لحماية البيانات المخزنة فيها وعدم تعديلها)، والقيادة الذاتية وتقاسم الاقتصاد والروبوتات والذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف والاقتصاد والمجتمع في السلطنة.

وتحدثت أيضا إلى الأساليب التي يمكن للاقتصاديات المتقدمة والنامية أن تتكيف مع أساليب العمل وتعتمدها، وآثار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على التصنيع، والأتمتة، والتنقل وسوق العمل، وكيف يمكن للسلطنة أن تدعم طموحاتها لتنويع اقتصادها وتوفير الوظائف.

وقالت إليزابيث ليندر، مؤسسة قسم السياسة والحكومات في فيسبوك إن التعليم والاتصال والصناعات الإبداعية ورأس المال البشري، كلها جزء لا يتجزأ من التنويع والاقتصاد المنتج ورفاهية المواطنين.

وتطرقت إلى كيف يمكن للاقتصاد العُماني أن يستفيد بشكل مستدام من التركيز على القطاع الإبداعي ليكون أكثر إنتاجية وتنافسية؟ وما هو دور ومهارات الاستثمار لتحسين وتشجيع الصناعات الإبداعية وضمان مهارة ومنافسة القوى العاملة الوطنية في مجال العمل؟ وهل سيؤدي الاستخدام المتزايد للإنترنت إلى إحداث تأثير تحولي على التعليم ؟ وهل الشركات الناجحة وموظفوها ممن يمارسون التعلم المستمر مستعدون لمواصلة التعلم والتكيف باستمرار في ظل المتغيرات؟ كما لا بد من فهم كيفية بناء الثقافات الرقمية، ولا سيما الآثار المترتبة على بيانات التعليم، وصولا إلى السؤال الأكبر: كيف تتحرك السلطنة نحو مستقبل مزدهر بعيدا عن اقتصاد يعتمد على النفط، مستنيرة بالفرص التي تتيحها التكنولوجيات الجديدة والصناعات الإبداعية ونظام تعليمي يدعم رؤية الاقتصاد الجديد؟

وقال كودي فرايزن، مدير تنفيذي لشركة زيرو ماس واتر في الجلسة الحوارية الثانية : لقد تضاءل الاعتماد الدولي على الوقود الهيدروكربوني، واتجهت المركبات نحو استخدام الكهرباء بدلا من الوقود، كما تحولت المدن لاستخدام الطاقة المتجددة مع انخفاض تكلفة توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بصورة كبيرة. وفي كل ذلك تأكيد على تناقص الطلب على النفط والغاز في السنوات القادمة. لذا على السلطنة أن تبحث عن الفرص الممكنة في الاتجاه نحو الطاقة النظيفة، وخاصة الطاقة الشمسية، ودراسة تأثير الطاقة الجديدة على الاقتصاد وريادة الأعمال والابتكار في السلطنة. بينما حاول ويم توماس، رئيس اللجنة الوطنية للمجلس العالمي للبترول في المملكة المتحدة طرح بعض الأسئلة حول مستقبل صناعة النفط على المديين القريب والمتوسط حتى عام 2040، وهل يمكن أن تحل البدائل، بما في ذلك الطاقة الشمسية، محل بعض استخدامات النفط في السلطنة، وما هي مسارات الانزلاق المحتملة في هذا الاتجاه؟

وقال أحمد المخيني، خبير بمكتب الرئيس التنفيذي للهيئة العامة لسوق المال: “من المهم إدراك الضغوط البيئية التي تواجه السلطنة ، خاصة أن السلطنة تمتلك المعالم البيئة الرائعة التي تعد من أهم السمات الرئيسية للتنويع الاقتصادي من خلال السياحة البيئية الراقية؟ وما أهمية تغير المناخ الذي لا يشكل مصدر قلق كبير في وعي الدراسات الاستقصائية العُمانية؟ . كما من المهم فهم كيف ستؤثر الاتجاهات العالمية والإقليمية على السلطنة، بما في ذلك القضايا البحرية والداخلية وندرة الموارد والقضايا البيئية والاتجاهات البيئة المحلية والحضارية؟ وهل تستطيع السلطنة الانتقال إلى نهج الاقتصاد الدائري؟

تأتي مشاركة مجموعة نماء في الملتقى بناءً على نتائج مؤتمرها “مشاركة” الذي عقد في شهر سبتمبر الماضي لوضع استراتيجيات المجموعة والتي تتماشى مع توجه القطاعات الاستثمارية الأخرى لتعزيز ركائز التنمية للاقتصاد الوطني. كما تندرج هذه المشاركة ضمن رؤية وتطلعات مجموعة نماء لتكون النموذج الرائد للإجادة في مجال خدمات الكهرباء والمياه في المنطقة بحلول عام 2022.

وقال المهندس عمر بن خلفان الوهيبي، الرئيس التنفيذي لمجموعة نماء: “تسعى مجموعة نماء من خلال المشاركة كشريك رئيسي في الملتقى، وبالتعاون مع المؤسسات القائمة لمشروع الرؤية المستقبلية، إلى تعزيز الأسس الرئيسية في تحقيق التنمية المستدامة ودعم التوجهات الاستراتيجية للحكومة والتي تتوافق مع سياسة المجموعة في تمكين التقدم والنماء لرخاء الوطن”.

وتعتبر مبادرة المجموعة في “ملتقى استشراف المستقبل” مساهمة حقيقية لإنجاز محاور الرؤية المستقبلية وترسيخ الجوانب التطويرية لاستثمارات السلطنة إلى عام 2040 والذي يحظى بحضور ومتابعة صناع القرار وكبار المسؤولين سواء من النطاق المحلي أو الدولي.

ويناقش الملتقى اليوم في جلسة واحدة ثلاثة محاور هي، التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، ومستقبل المدن، الحوكمة: مستقبل الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.